ارتبطت كلمة افتراضية وهي ترجمة عن اللغة الإنجليزية virtual بالكثير من المصطلحات ففي التعليم مثلًا لدينا التعليم الافتراضي، ويقصد به التعلم عن بعد باستخدام التقانة الحديثة مثل الإنترنت، وهناك مواقع في "النت" يعيش الإنسان خلالها حياة افتراضية تبعده عن الواقع. هذه الحياة ليست حقيقية لكنها رمزية تجعل الإنسان يشتغل مهنة لا يستطيع أن يعمل بها في الحياة الواقعية أو يقوم بأعمال ليس من السهل القيام بها في عالم الحقيقة، فيستبدل الواقع بالخيال. كل ما سبق أمثلة لما يعرف بالحياة الافتراضية، ولا أقصد في مقالي مما سبق إلا المثال لأنه يقرب الصورة التي أنا بصددها. الحياة التي نعيشها في حقيقة الأمر قائمة على الافتراض، لذلك أسميتها الحياة الافتراضية، فأنت تفترض أنك ستعيش إلى عمر الثمانين. وتفترض أنك ستتزوج وستنجب، وتفترض أنك ستعيش إلى آخر العمر بتمام الصحة والعافية والمال الوفير، وبإمكانك أن تفترض أشياء كثيرة. الواقع قد يصدق ما تفترضه، وقد يكذبه، فتجد أن إنساناً كان يفترض الحياة المديدة توفاه الله تعالى في حادث سير لم يكن يتوقعه. والزوجة التي تحلم بها أن تكون مصدر سعادتك وقد انفقت من أجل الزواج بها المال الوفير، إذا بها تقلب ليلك نهاراً ونهارك ليلاً من الهموم و المشاكل . وكذلك الأبناء والمال قال تعالى " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا". وهل هناك أشقى من أن يعذب الإنسان بما يحب من مال وبنين ونعيم. إذا صدقت المقدمة السابقة، وأيقنت أن الحياة التي نعيشها افتراضية، وليست حقيقة، وبدأت في عالم بعيد كل البعد عن الفلسفة والفكر المجرد، وارتحت قليلًا من وعثاء هذه الحياة التي نُحملها أكبر من اللازم، ستجد نفسك أمام سؤال مؤداه: ما هي الحياة الحقيقية؟ والجواب في تصوري أنها الحياة التي ينتقل إليها الإنسان فور موته. فعند الموت ينتقل الإنسان من عالم إلى آخر، لم يكن يتصوره، وإنْ تصوره فمعرفته به قليلة جداً، أصدق ما فيها ما نقله الوحي الصريح الصحيح عنها قال تعالى عن الإنسان عند موته (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ). نعم يتطور البصر والإدراك في تلك اللحظات كي يرى الإنسان الحياة الحقيقة التي أعدها الله تعالى للناس، وعندها تصغر الدنيا في أعينهم فمن عمر ألف سنة أو مئة سنة أو أقل من ذلك، عندما تسأله عن الحياة التي كان يحياها في الدنيا يقول لك: كما ورد في القرآن الكريم: " قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين". لا أريد من مقالي هذا أن يعزف الناس عن الحياة الدنيا ويزهدوا بها. ولكن أن يعرفوا حقيقتها ويعطوها قدرها، فمن ضاقت به الدنيا تسعه الآخرة. ومن ظلم في الأولى فحقيقة العدل في الآخرة فاعتبرها حياة افتراضية وأعمل للحياة الحقيقية.